الغزالي
511
إحياء علوم الدين
والكلام على المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان نافذ الحكم في الحق والباطل ، وهو القاضي العدل ، والشاهد المرتضى ، يأمر وينهى ، ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام كلام الحكمة ، كما لا يستطيع الظل أن يقوم قدام شعاع الشمس ، ولا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة ، كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضوء عين الشمس ، ولكنهم ينالون من ضوء عين الشمس ما تحيا به أبصارهم ، ويستدلون به على حوائجهم فقط ، فالكلام كالملك ! المحجوب ، الغائب وجهه ، النافذ أمره ، وكالشمس العزيزة الظاهرة مكنون عنصرها ، وكالنجوم الزاهرة التي قد يهتدى بها من لا يقف على سيرها ، فهو مفتاح الخزائن النفيسة ، وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت ، ودواء الأسقام الذي من سقى منه لم يسقم ، فهذا الذي ذكره الحكيم نبذة من تفهيم معنى الكلام ، والزيادة عليه لا تليق بعلم المعاملة ، فينبغي أن يقتصر عليه الثاني : التعظيم للمتكلم . فالقارئ عند البداية بتلاوة القرءان ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ، ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر ، وأن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر ، فإنه تعالى قال : * ( لا يَمَسُّه إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 1 » ) * وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا ، فباطن معناه أيضا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس ومستنيرا بنور التعظيم والتوقير ، وكما لا يصلح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ، ولا لنيل معانيه كل قلب ، ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشى عليه ويقول : هو كلام ربي ، هو كلام ربي فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم ، ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله ، فإذا حضر بباله العرش والكرسي والسماوات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار ، وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد ، وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نقمته وسطوته ، إن أنعم فبفضله ، وإن عاقب فبعد له ، وأنه الذي يقول : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي وهذا غاية العظمة والتعالي ، فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام الثالث : حضور القلب وترك حديث النفس . قيل في تفسير * ( يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ « 2 » )
--> « 1 » الواقعة : 79 « 2 » مريم : 12